ابن حزم
175
جوامع السيرة النبوية
مآب ، وهى أرض بنى مآب المذكورين في كتب بني إسرائيل ، وأنهم كانوا يغاورونهم في أيام دولتهم ، وأنهم من بنى لوط عليه السلام ، وهى أرض البلقاء - : في مائة ألف من الروم ، ومائة ألف أخرى من نصارى أهل الشام من لخم ، وجذام ، وقبائل قضاعة : من بهراء وبلى وبلقين ، وعليهم رجل من بنى إراشة من بلى ، يقال له : مالك بن راقلة . فأقام المسلمون في معان ليلتين ، وقالوا : نكتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نخبره بعدد عدونا ، فيأمرنا بأمره أو يمدنا . فقال عبد اللّه بن رواحة : يا قوم ، إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون - يعنى الشهادة - وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ، وما نقاتلهم إلا بهذا الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين : إما ظهور ، وإما شهادة . فوافقه الجيش على هذا الرأي ، ونهضوا ، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء ، لقوا الجموع التي ذكرناها مع هرقل إلى جنب قرية يقال لها : مشارف ، وصار المسلمون في قرية يقال لها : مؤتة ، فجعل المسلمون على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذرى ، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري ، وقيل : عبادة . واقتتلوا ، فقيل الأمير الأول : زيد بن حارثة ، ملاقيا بصدره الرماح ، والراية في يده ؛ فأخذها جعفر بن أبي طالب ، ونزل عن فرس شقراء ، وقيل : إنه عقرها ، فقاتل حتى قطعت يمينه ، فأخذ الراية بيسراه ، فقطعت ، فاحتضنها ، فقتل كذلك ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة . فأخذ عبد اللّه بن رواحة الراية ، وتردد عن النزول بعض التردد ، ثم صمم ، فقاتل حتى قتل . فأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بنى العجلان ، وقال : يا معشر المسلمين ، اصطلحوا على رجل منكم . فقالوا : أنت ؛ قال : لا . فأخذها خالد بن الوليد ، وانحاز بالمسلمين ، فأنذر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقتل الأمراء المذكورين قبل ورود الخبر ، في يوم قتلهم بعينه .